في إطار حرص دولة الإمارات العربية المتحدة على تطوير منظومتها التشريعية بما يواكب التحولات المجتمعية والأمنية، ويعزز مبدأ سيادة القانون، صدر مرسوم بقانون اتحادي بتعديل بعض أحكام قانون الجرائم والعقوبات، في خطوة تشريعية تعكس رؤية متقدمة تقوم على التوازن الدقيق بين الردع الجنائي وحماية المجتمع من جهة، وإعادة التأهيل والإصلاح من جهة أخرى.
وقد جاءت هذه التعديلات لتعالج عددًا من الإشكاليات العملية التي أفرزها التطبيق القضائي، ولتمنح السلطة القضائية أدوات أكثر مرونة وفاعلية في التعامل مع الجرائم الخطيرة، لا سيما تلك التي تمس أمن المجتمع وسلامته الأخلاقية.
أولًا: تعزيز سلطة القضاء في تقييم الخطورة الإجرامية
من أبرز ما تضمنته التعديلات، تمكين المحكمة من إجراء فحوص طبية ونفسية واجتماعية للمحكوم عليهم في بعض الجرائم الخطيرة، بما يسمح بتقييم حقيقي لمدى خطورتهم على المجتمع.
وهذا التوجه يعكس فهمًا عصريًا للسياسة الجنائية، حيث لم يعد العقاب غاية في ذاته، بل وسيلة لحماية المجتمع ومعالجة أسباب الجريمة، وهو ما ينسجم مع أفضل الممارسات التشريعية المقارنة.
ثانيًا: تدابير احترازية لاحقة للعقوبة
استحدث المشرّع تدابير احترازية إضافية، مثل الإيداع في مراكز التأهيل أو المأوى العلاجي، أو إخضاع المحكوم عليه للإشراف أو المراقبة الإلكترونية بعد انتهاء العقوبة، إذا ثبت استمرار الخطورة الإجرامية.
ويُعد هذا التعديل تطورًا نوعيًا، إذ يعزز الوقاية المجتمعية دون المساس بمبدأ شرعية العقوبة، ويؤكد أن حماية المجتمع لا تنتهي بانقضاء مدة الحكم.
ثالثًا: تشديد العقوبات على الاعتداءات الجنسية والتحريض على الفجور
شدد القانون العقوبات المقررة للاعتداءات الجنسية، حتى في الحالات التي يُدّعى فيها الرضا، متى كان المجني عليه دون سن الثامنة عشرة، مع عدم الاعتداد بالرضا قبل بلوغ سن السادسة عشرة.
كما تم تشديد عقوبات التحريض على الفجور، وفرض عقوبات صارمة إذا كان المجني عليه قاصرًا.
وتعكس هذه التعديلات موقفًا تشريعيًا حاسمًا في حماية القُصّر وصون القيم المجتمعية، وإغلاق أي ثغرات قد تُستغل للإفلات من العقاب.
رابعًا: منح المحكمة صلاحية وقف تنفيذ العقوبة في جرائم أمن الدولة
منح المشرّع المحكمة صلاحية وقف تنفيذ العقوبة في بعض جرائم أمن الدولة، متى وجدت أسبابًا جدية تبرر ذلك، مع فرض تدابير بديلة تضمن الإصلاح وعدم العودة للجريمة.
ويؤكد هذا التوجه أن السياسة الجنائية الإماراتية لا تعتمد فقط على التشدد، بل تراعي الظروف الاستثنائية، وتمنح القضاء سلطة تقديرية رشيدة تخدم المصلحة العامة.
خاتمة
إن التعديلات الأخيرة على قانون الجرائم والعقوبات تمثل نقلة تشريعية محسوبة، تعكس نضج التجربة القانونية في دولة الإمارات، وتؤكد أن التشريع الجنائي لم يعد قائمًا على العقوبة المجردة، بل على منظومة متكاملة من الردع، والحماية، والإصلاح.
كما أنها تعزز الثقة في القضاء، وتكرّس دولة الإمارات كنموذج إقليمي في تحديث التشريعات بما يحفظ أمن المجتمع وكرامة الإنسان في آن واحد.
للمزيد من المعلومات او الاستشارات القانونية يمكنكم التواصل مع مكتب الصَفَر ومُشارِكوه. نحن هنا لمساعدتكم وتقديم المشورة القانونية التي تحتاجون إليها. تواصلوا معنا عبر 0527583267 - reception@alsafarpartners.com - www.alsafarpartners.com
Written By: Mr. Mohammad Ezzelarab - Partner and Head of Litigation at Al Safar and Partners Law Firm.